اسماعيل بن محمد القونوي
148
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ذكر في الأرض ولا يبعد أن يكون المراد جميع الأرض فإن إفسادهم وإن كان في أرض المدينة لكن المعاصي وأكبر المناهي ضررها يعم جميع البلاد والعباد بل الوحوش والحيوانات بحبس المطر واستيلاء القحط بل بإكثار الهرج والمرج فيختل نظام العالم عن آخره وهذا التوجيه أوفق لما ذكره المصنف بعده فلا حاجة إلى الادعاء المذكور ولا ريب أيضا في مساس الحاجة إلى ذكر في الأرض . قوله : ( وكلاهما يعمان كل ضار ونافع ) كل نافع ناظر إلى الصلاح وضار ناظر إلى الفساد لكن الضر الذي يتضمن النفع الكلي مستثنى منه كقتل الخضر الغلام فإن مثل هذا صلاح وإن كان ظاهره إفساد أو الحاصل أنه متى تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لرفع أعظمهما ومن هذا القبيل مقابلة الظالم المعتدي بفعله فإنه ليس بفساد وإن كان في الأول فساد كما سيجيء الإشارة إليه في قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ البقرة : 60 ] والحاصل أن قيد الحيثية معتبر فيهما وعدل عن عبارة الكشاف وهي الفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة انتهى . وقد يقال إنه لا منافاة بينهما لأن ما ذكره المص باعتبار الحقيقة والمآل وهو الذي ارتضاه الراغب وما ذكره الزمخشري باعتباره في أصله وما هو شأنه . قوله : ( وكان من فسادهم في الأرض ) من تبعيضية وهذا أولى من حملها على الابتدائية لإشعاره بأن لهم فسادات أخرى خارجة عن الإحصاء . قوله : ( هيج الحروب ) يقال هاجت الحرب هيجا وهياجا وهيجانا إذا ثارت ووقع القتال وغيره مما يفعل بالعدو وهو لازم ولا يناسب المقام ويقال هاجها أي أنارها وهو متعد وهو المناسب هنا لأن الغرض بيان فعلهم وأحوالهم الباطلة فحينئذ الأولى أن فسادهم قوله : وكان من فسادهم هيج الحروب الهيج الإثارة أمن ثارت الحرب أي هاج هيجانا وأثارها وهاجه غيره يتعدى ولا يتعدى والمراد تهيج الحروب هو اللازم لأن المتعدي افساد لا فساد . قوله : فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما في الأرض إشارة إلى أن الفساد المنهي عنه ههنا مجاز مبني على الكناية فمعنى لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد ولما خاطبهم اللّه تعالى بقوله : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 11 ] والمنافقون لا يفسدون في الأرض فكيف نهاهم عن ذلك فأجاب بأن الفساد في الأرض كناية عن هيج الحروب والفتن لأن الفساد خروج الشيء عن حال استقامته وفي هيج الفتن والحروب خروج الأرض عن حال استقامتها ثم إنهم كانوا يفعلون ما يؤدي إلى هيج الفتن بين المسلمين والكفار فقيل لهم لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] أي لا تفعلوا فعلا يؤدي إلى الفساد فهذا مجاز مرتب على الكناية وإنما كان هذا كناية لأن معنى الفساد ههنا مراد وإطلاق الإفساد على ما يؤدى إليه مجاز لعدم إرادة نفس الإفساد كما في ( لا تقتل نفسك ) فهو إطلاق المسبب على السبب ونظير هذا المجاز المبني على الكناية قولك لمن لا نجادله طويل النجاد قصدا إلى أنه طويل القامة وأما إذا كان له نجاد يكون كناية صرفة لا مجازا لجواز إرادة المعنى الملزوم فيه دون الأول .